المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أدفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه


علي الشريف احمد
07-11-2013, 12:48 AM
(18) يقول ابن عطاء الله في هذه الحكمة
" أدفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه "
_________________________________________
معنى الخمول : هو الإبتعاد عن الأضواء وعن أسباب الشهرة, وأن يكون الإنسان مجهولاً لدى الآخرين لا يعرفه أكثر الناس . يقول ابن عطاء الله :" أدفن وجودك في أرض الخمول" .
والمعنى : عندما تريد أن تقوم بمهامك الدينيه، عليك قبل أن تشتهر بين الناس أن تدفن وجودك لمدة من الزمن بعيداً عن الشهرة . وعملك خلال هذه الفترة أن تراعي ذاتك، وتربي نفسك وتصفى سريرتك من الشوائب.
وأنت لا تسطيع أن تقوم بذلك إلا أن تكون بعيداً عن الأضواء الإجتماعية، وتيارات الأنشطة العامة . ويكمل الحكمة بقوله " فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه "
يشبّه ابن عطاء الله هذا القانون التربوي في حياة الإنسان, بالقانون ذاته في عالم النبات.
فالنبات يمر بمرحلتين :
الأولى مرحلة التأسيس : إذ يكون في باطن الأرض
والثانية مرحلة النمو والعطاء: إذ يكون على ظاهرها تحت أضوء الشمس, وأمام الأبصار.
وكذلك الإنسان عندما يريد أن يقوم بواجباته الدينيه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ناهضاً بواجباته الإجتماعيه المثلى، فلابد أن يسير إلى ذلك، إذ يتكامل نضجها في رحم الأرض، فيتعهد نفسه بالتربية والتزكية وتخليتها من الشوائب، وفي مرحلة من الإنطواءِ على الذات، والإبتعاد عن ضجيج الأنشطة الإجتماعية .
أما إذا لم يفعل ذلك، وقفز رأساً إلى الأنشطة الإجتماعية يتعامل معها، ويتفاعل مع تياراتها، لكانت سيرته كسيرة النواة التي ألقيتها على وجه التراب وبين الحجارة، هل تنتظر منها إلا العفونة والفساد ؟!
إن مآل هذا الإنسان الذي بدأ عمله فوق مسرح الشهرة, وتحت الأضواء هو الخيبة والفساد!. إن تكلم فلن يصدر عن علم ناضج، وإن أراد السير على الضراط المستقيم فلسوف تعوقه نفسه الأمارة بالسوء عن الإنضباط بهذا السير، لما يعانيه من غرائز وشهوات لم يتح له أن يُخلّص نفسه عنها.
وإذا اتجه إلى الأنشطة الإجتماعية، شدته رغائبه إلى التنافس في حظوظ المراكز والزعامات، والتسابق إلى حيث المغانم والأموال .
ذلك لأن نفسه لم يُتَح لها أن تتهذب في محراب العزلة، ولكن الإنسان الذي يأخذ بهذا العلاج الذي ذكره ابن عطاء الله " فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه " إلا وينضج عقله دراية وعلماً، وتتزكى نفسه تهذيباً وتربية ، وتصبح أنشطته وأعماله الإجتماعية عندئذٍ مفيدةً ومثمرةً له ولمجتمعه .
ولكن من أين جاء ابن عطاء الله بهذ الحكمة ؟
والجواب : جاء بهاء من سيرة الرسول صلى الله عليه سلم التي ربّاه الله عليها. فلقد ورد في الصحبح أن الله حبب إليه الخلاء فكان يخلو في غار حراء الليالي المتتابعة. كان ذلك هو العمل التأسيسي في رحلة القيام بالمهمة التي كلفه الله بها من بعد .
إذن وكما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي القيام بعمله الوظيفي إلى هذه الخلوة، فبقية المسلمين أشد حاجة منه إليها .
وإذا نظرنا إلى السلف الصالح نجدهم كلهم قدر ساروا على هذا المنوال . فالإنسان بحاجة من أجل أن يخرج إلى المجتمع وينهض بواجباته الإجتماعية إلى ثلاثه أمور:
(1)العلم: "العلماء ورثة الأنبياء".
(2) وتزكية النفس: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ " الجمعة 62/2
(3) وتطهير القلب عن محبة الأغيار.
إن الوصول إلى هذه الأهداف الثلاثة لا يتم إلا بإخضاع الذات لخلوات جزئية منظّمة، وإلى ساعات من العزلة يخلو بها إلى ذاته، بعيداً عن المجتمع وضوضائه.
ومن المهم أن تعلم أن إتباع هذه الحكمة, أساس لابد منه في كل من القضايا الدينية والدنيوية معاً.
فكم من مصالح, ومؤسسات اقتصادية, واجتماعية, وعلمية, تسرب إليها الفساد، إذ عهُد بها إلى أشخاص رأس مالهم الخبرة, أو المعرفة, أو الشهرة والمكانة، نالوها دون أن يمروا بمرحلة النضج التربوي ففسدت المؤسسات إذ لم تغن الشهرة والمكانة عن العلم, والأخلاق, والتربية, شيئاً. وقد علمت أن التكوين النفسي، والتكوين المعرفي للعقل، لا يتم أي منهما إلا في رحم الخمول بعيداً عن أضواء الزعامة والشهرة .