علي الشريف احمد
12-26-2011, 12:39 PM
(1)
شد قومٌ كتب الله تعالى لهم الحج رحالهم للأرض المقدسة، وقد تحقق فيهم أعظم معاني العبودية لله تعالى، قد أجابوا نداء الخليل إبراهيم: (وأذن في الناس بالحج)، وامتثلوا قول الحق: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ).
فخرجوا من بيوتهم إلى ربهم مهاجرين، لأموالهم وأهلهم تاركين، من مخيط ثيابهم ومناصبهم متجردين، أحرموا لله، قد حسرت رؤوسهم، وصفت نفوسهم، وخشعت قلوبهم، وبالدمع سالت عيونهم، ألسنتهم رطبة من ذكر الله، تسبح وتلبي المخلوقات بتسبيحهم وتلبيتهم، فاجتمعوا في يوم الحج الأكبر، يوم المؤتمر الأعظم، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.
يـــا ســائـراً نــحـو الـنـبـي مـشـمراً
اجهد فديتك في المسير وفي السرى
وتـــذرع الـصـبر الـجـميل ولا تـكـن
فــي مـطـلب الـمـجد الأثـيل مـقصرا
وتـــوخ آثـــار الـنـبـي فــضـع بـهـا
مـتـشرفاً خـديـك فــي عـقـر الـثـرى
واعــلـم بــأنـك مــا رأيــت شـبـيهها
مـذ كنت في ماضي الزمان ولا يرى
(2)
وعلى جانب آخر وقف قوم بين يدي الحق تعالى، لم يكتب لهم المسير إلى هذا الموقف العظيم، هزهم الحب والشوق إلى لقاء الله (والذين آمنوا أشد حباً لله)، كما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: «فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يُشَوِّقُه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة … والبيت مضاف لله عز وجل، فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة، فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل».
وهذا الحب والشوق المتأجج في القلوب لا تسكن جَذوتُه إلا بمُشَاهَدٍ يوجِّه المحب إليه أشواقَه، ويقضي به حنينه ويذَكِّرُه بالمحبوب سبحانه.
وإذ قد منعهم العذر عن شد رحال الأجساد، توجهت قلوبهم وأرواحهم للقاء محبوبهم، وتعلقت بالبيت والمشاعر، فعظموها كما أمر الله* (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، كلما ذكر لهم البيت والمشاعر حنوا، وكلما تذكروا بعدهم بكوا وأنوا، ويحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى دار الأحبة وهو قاعد أن يحزن، غبطة لمن وصلهم الله لا حسدا، لسان حالهم يقول:
لــلــه در ركــائــب ســــارت بــهــم
تطوي القفار الشاسعات على الدجى
رحـلوا إلـى الـبيت الحرام وقد شجا
قـلـب الـمـتيم مـنـهم مــا قــد شـجـا
نــزلــوا بــبــاب لا يــخـيـب نـزيـلـه
وقـلـوبـهم بــيـن الـمـخافة والـرجـا
وألسنتهم تردد قول الشاعر المحب:
يــا راحـلـين إلـى مـنى بـقيادي
هـيجتموا يـوم الـرحيل فـؤادي
سرتم و سار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوت الحادي
وما أرق وأجمل قول الشاعر:
ألا قـــل لــزوار دار الـحـبيب
هـنيئا لـكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا
فـنـحن عـطاش وأنـتم ورود
شد قومٌ كتب الله تعالى لهم الحج رحالهم للأرض المقدسة، وقد تحقق فيهم أعظم معاني العبودية لله تعالى، قد أجابوا نداء الخليل إبراهيم: (وأذن في الناس بالحج)، وامتثلوا قول الحق: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ).
فخرجوا من بيوتهم إلى ربهم مهاجرين، لأموالهم وأهلهم تاركين، من مخيط ثيابهم ومناصبهم متجردين، أحرموا لله، قد حسرت رؤوسهم، وصفت نفوسهم، وخشعت قلوبهم، وبالدمع سالت عيونهم، ألسنتهم رطبة من ذكر الله، تسبح وتلبي المخلوقات بتسبيحهم وتلبيتهم، فاجتمعوا في يوم الحج الأكبر، يوم المؤتمر الأعظم، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.
يـــا ســائـراً نــحـو الـنـبـي مـشـمراً
اجهد فديتك في المسير وفي السرى
وتـــذرع الـصـبر الـجـميل ولا تـكـن
فــي مـطـلب الـمـجد الأثـيل مـقصرا
وتـــوخ آثـــار الـنـبـي فــضـع بـهـا
مـتـشرفاً خـديـك فــي عـقـر الـثـرى
واعــلـم بــأنـك مــا رأيــت شـبـيهها
مـذ كنت في ماضي الزمان ولا يرى
(2)
وعلى جانب آخر وقف قوم بين يدي الحق تعالى، لم يكتب لهم المسير إلى هذا الموقف العظيم، هزهم الحب والشوق إلى لقاء الله (والذين آمنوا أشد حباً لله)، كما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: «فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يُشَوِّقُه إلى أسباب اللقاء لا محالة، هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة … والبيت مضاف لله عز وجل، فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة، فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل».
وهذا الحب والشوق المتأجج في القلوب لا تسكن جَذوتُه إلا بمُشَاهَدٍ يوجِّه المحب إليه أشواقَه، ويقضي به حنينه ويذَكِّرُه بالمحبوب سبحانه.
وإذ قد منعهم العذر عن شد رحال الأجساد، توجهت قلوبهم وأرواحهم للقاء محبوبهم، وتعلقت بالبيت والمشاعر، فعظموها كما أمر الله* (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، كلما ذكر لهم البيت والمشاعر حنوا، وكلما تذكروا بعدهم بكوا وأنوا، ويحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى دار الأحبة وهو قاعد أن يحزن، غبطة لمن وصلهم الله لا حسدا، لسان حالهم يقول:
لــلــه در ركــائــب ســــارت بــهــم
تطوي القفار الشاسعات على الدجى
رحـلوا إلـى الـبيت الحرام وقد شجا
قـلـب الـمـتيم مـنـهم مــا قــد شـجـا
نــزلــوا بــبــاب لا يــخـيـب نـزيـلـه
وقـلـوبـهم بــيـن الـمـخافة والـرجـا
وألسنتهم تردد قول الشاعر المحب:
يــا راحـلـين إلـى مـنى بـقيادي
هـيجتموا يـوم الـرحيل فـؤادي
سرتم و سار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوت الحادي
وما أرق وأجمل قول الشاعر:
ألا قـــل لــزوار دار الـحـبيب
هـنيئا لـكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا
فـنـحن عـطاش وأنـتم ورود